ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
51
حجة الله البالغة
ثمَّ التَّرْجِيح يكون تَارَة بِحَال الْأَسْبَاب أَيهَا أقوى ، وَتارَة بِحَال الْآثَار المترتبة أَيهَا أَنْفَع ، وبتقديم بَاب الْخلق على بَاب التَّدْبِير وَنَحْو ذَلِك من الْوُجُوه ، فَنحْن أَن قصر علمنَا عَن إحاطة الْأَسْبَاب وَمَعْرِفَة الأحق عَن تعارضها نعلم قطعا أَنه لَا يُوجد شَيْء إِلَّا وَهُوَ أَحَق بِأَن يُوجد ، وَمن أَيقَن بِمَا ذكرنَا استراح عَن اشكالات كَثِيرَة . أما هيئات الْكَوَاكِب فَمن تأثيرها مَا يكون ضَرُورِيًّا كاختلاف الصَّيف والشتاء وَطول النَّهَار وقصره باخْتلَاف أَحْوَال الشَّمْس وكاختلاف الجزر وَالْمدّ باخْتلَاف أَحْوَال الْقَمَر ، وَجَاء فِي الحَدِيث : " إِذا طلع النَّجْم ارْتَفَعت العاهة " يَعْنِي بِحَسب جري الْعَادة لَكِن كَون الْفقر والغنى والجدب وَالْخصب وَسَائِر حوادث الْبشر بِسَبَب حركات الْكَوَاكِب فمما لم يثبت فِي الشَّرْع ، قد نهى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الْخَوْض فِي ذَلِك فَقَالَ : " من اقتبس شُعْبَة من النُّجُوم اقتبس شُعْبَة من السحر " وشدد فِي قَول : مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَلَا أَقُول نصت الشَّرِيعَة على أَن الله لم يَجْعَل فِي النُّجُوم خَواص تتولد مِنْهَا الْحَوَادِث بِوَاسِطَة تغير الْهَوَاء المكتنف بِالنَّاسِ وَنَحْو ذَلِك ، وَأَنت خَبِير بِأَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَن الكهانة وَهِي الْأَخْبَار عَمَّن الْجِنّ ، وَبرئ من أَتَى كَاهِنًا وَصدقه ، ثمَّ لما سُئِلَ عَن حَال الْكُهَّان أخبر أَن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء ، فتسترق الشَّيَاطِين السّمع ، فتوحيه إِلَى الْكُهَّان ، فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة وَأَن الله تَعَالَى قَالَ : { يا أيها الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض أَو كَانُوا غزى وَلَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا } . وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لن يدْخل أحدكُم الْجنَّة عمله " وَقَالَ : " إِنَّمَا أَنْت رَفِيق والطبيب الله " وَبِالْجُمْلَةِ فالنهي يَدُور على مصَالح كَثِيرَة وَالله أعلم . ( بَاب حَقِيقَة الرّوح ) قَالَ الله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا } .